تقي الدين الغزي

72

الطبقات السنية في تراجم الحنفية

وأروى للحديث ، وأقضى في الأحكام ، وأفقه في الفتوى ، كتب إليه « 1 » ملوك عدّة كتبا مصدّرة بتعظيمه ، يسأله فيها عن مسائل في الفقه والعربيّة واللّغة . وكان حسن الخطّ ، طلب أن يقرّر في ديوان الإنشاء فامتنع « 2 » ، وقال : هذا أمر يحتاج إلى دربة ، وأنا عار منها ، وسياسة وأنا غريب فيها . وفي « الدّرّ / الثّمين » أن أبا سعيد « 3 » لمّا شهد عند قاضى القضاة ابن معروف ، وقبل شهادته ، وصار من جملة عدوله ، عاتبه على ذلك أحد المختصّين به ، وقال له : إنّك إمام الوقت ، وعين الزمان ، والمنظور إليه ، والمقتبس من علمه ، تضرب إليك أكباد الإبل ، ويفتقر إليك الخاصّ والعامّ ، والرّعايا والسّلطان ، فإذا توسّطت مجلسا كنت المنظور في الصّدر ، وإذا حضرت محفلا كنت البدر ، قد اشتهر ذكرك في الأقطار والبلاد ، وانتشر علمك في كلّ محفل « 4 » وناد ، والألسنة مقرّة بفضلك ، فما الذي حملك على الانقياد لابن معروف واختلافك إليه ؟ فصرت تابعا بعد أن كنت متبوعا ، ومؤتمرا بعد أن كنت آمرا ، وضعت من قدرك ، وضيّعت كثيرا من حرمتك ، وأنزلت نفسك منزلة غيرك ، وما فكّرت في عاقبة أمرك ، ولا شاورت أحدا من صحبك . فقال : اعلم أنّ هذا القاضي مراده اكتساب ذكر جميل ، وصيت حسن ، ومباهاة لمن تقدّمه ، ومع ذلك فله من السلطان منزلة رفيعة ، وقوله عنده مسموع ، وأمره لديه متبوع ، « 5 » ورأيته يستضىء برأيي ، ويعدّنى من جملة ثقاته وأوليائه « 5 » ، وقد عرّض لي « 6 » وصرّح مرّة بعد أخرى ، وثانية عقب أولى ، فلم أجب ، فخفت مع كثرة الخلاف أن يكون تكرار الامتناع موجبا للقطيعة ، وتوقّع أضرار ، وإذا اتّفق أمران ، فاتّباع ما هو أسلم جانبا ، وأقلّ غائلة أولى ، وقد كان ما كان ، والكلام بعد ذلك ضرب من الهذيان . وكان أبو علىّ الفارسىّ وأصحابه يحسدونه كثيرا .

--> ( 1 ) هذا قول التميمي حكاية لما أورده أبو حيان من كتب الملوك والرؤساء إليه . ( 2 ) في الامتناع والمؤانسة 1 / 132 أن الذي أراده أبو جعفر الصميرى . ( 3 ) انظر معجم الأدباء 8 / 156 - 158 . ( 4 ) في ن : « بلد » والمثبت في : س ، ط . ( 5 - 5 ) في معجم الأدباء : « وبلغني أنه يستضئ برأيه ، ويعده من جملة ثقاته وأوليائه » . ( 6 ) في س بعد هذا زيادة عما في ط ، ن ، ومعجم الأدباء : « مرة » .